سميح دغيم
149
موسوعة مصطلحات صدر الدين الشيرازي
أن يصير سببا لفعل دون فعل إلّا بضمّ آراء جزئية . فللإنسان إذن قوّتان : قوّة تختصّ بالآراء الكلّية والاعتقادات ، وقوّة تختصّ بالرؤية في الأمور الجزئية مما ينبغي أن يفعل ويترك من المنفعة والمضرّة ، ومما هو جميل وقبيح ، ومما هو خير وشرّ . ويكون حصوله تابعا لضرب من القياس والتفكّر غايته أن يوقع رأيا في أمر جزئي مستقبل من الممكنات ، إذ الأمور الضرورية والمستحيلة لا يروى فيها ليوجد أو ليعدم . ( مبع ، 260 ، 21 ) - إنّ من توهّم أن حقيقة الإنسان مجرّد البدن ومزاجه ، زاغ عن الحق وقصر نظره على الجسم وأخلد إلى الأرض البدن غير مرتق عن هذه الهاوية المظلمة إلى ما فوقها ، فنظر إلى حقيقة الإنسان بإحدى العينين ، وهي اليسرى ، فكذلك من ظنّ أن حقيقته ليس إلّا الجوهر النطقي بلا ممازجة البدن ، فقد أخطأ ونظر إليها بالعين العوراء ، إلّا أنّها اليمنى . والعارف الكامل هو الذي كان ذو العينين من غير عمى لا في اليمنى كالحشوية والمجسمية ، ولا في اليسرى كاتباع الفلاسفة المحرومين عن المشرب العذب المحمدي ، وفهم ما أنزل عليه " صلى اللّه عليه وآله " من القرآن المجيد الذي كان خلفه " صلى اللّه عليه وآله " الممنوعين يوم القيامة عن الشرب الذي يكون الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً ( الإنسان : 5 ) . وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا ( الإنسان : 17 ) وذلك لحرمانهم عن متابعة الأنبياء ، واستنكافهم عن الرياضات الدينية والانقيادات الشرعية ، واستبداداتهم لعقولهم وآرائهم ، وذهولهم عن مشاهدة أنوار الحضرة النبوية العالمة بمراتب الوجوب وتنزّلاته ، وتطابق العوالم بعضها على بعض ، وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ( الأحزاب : 4 ) . ( مبع ، 309 ، 19 ) - إن قلت : أليس الإنسان نوعا واحدا ، والنفوس الإنسانية كلها أشخاص نوع واحد . قلنا : نعم ، من حيثية ، ولا ، من حيثية ، إذ الإنسان بما هو مركّب من مادة عنصرية ذي مزاج معتدل بشري ونفس حافظة لذلك المزاج ومبدأ لفصل ، وهيئة وصورة لمادته ومدبّرة لتدابير الإنسانية وفاعلة لأفعال وأعمال يخصّه ، نوع واحد ، والنفوس الإنسانية من حيث كونها نفوسا مندرجة تحت نوع واحد من الجهة التي ذكرناها مع قطع النظر عن صيرورة كل منها في منتهى الأمر لأجل الهيئات والملكات التي تصير النفس مصوّرا بصورة خاصة مباينا للأخرى . وأما من جهة صيرورة النفس مصوّرا بصورة عقلية ، أو آراء جهلية ، أو هيئات صناعية ، أو أخلاق سبعية ، أو ملكات بهيمية ، فهي لا محالة يصير أنواعا متنوّعة وحقائق متخالفة ويتصوّر بصور متخالفة الهيئات والأشكال في النشأة الثانية لا في هذه النشأة الدنياوية لاستحالته كما قرّرنا ، فالنفس ما دامت تكون بالقوة يمكن لها اكتساب أي مرتبة شاءت لمكان استعدادها قبل صيرورتها